التجاوز (أو التعالي)، هو مصطلح فلسفي متعدد المعاني، وذلك حسب السياق الفلسفي. ويقابل في اللغات الأجنبية: transcendance بالفرنسية، وtranscendence بالإنجليزية، وTranszendenz بالألمانية، ويعود في أصله اللاتيني إلى transcendentia. إلا أنّه يشير عمومًا إلى التعدي أو الذهاب أبعد من حدود نطاق ما. وتضاد عمومًا «المحايث» الذي يبقى ضمن إطار العالم أو نسق ما. في الترجمات العربية، تأتي هذه الكلمة كترجمة transcendance، وعادة ما تترجم «تعالي». يترجمها موسى وهبة بـ «تجاوز»، وذلك ليقارباها اشتقاقيًا من transcendantal، وهو مصطلح كانطي، الذي يترجمه بـ «مُجاوز». ونرى أنّ كلًا من الترجمتين تُوفّق إذا وظّفت سياقيًا. وعليه، سنعمد في هذا المقال، إلى توظيف كلا المصطلحين على أنّ نوظّف المتعال في سياق إلهي بالدرجة الأولى باعتبار أنّ جذره اللغوي يعود الى معنى العلو. ونستعمل التجاوز في الفلسفة الحديثة على نحو اوسع إذ لا يحال به بالضرورة إلى إي اتجاه عمودي أو صعود مكاني أو إرتفاع في درجة ما.
في الدين، عادة ما يتصور الإله أنّه متعالٍ (متجاوز) على العالم، فهو ليس شيئًا بين الأشياء. كما أن لفظة «التنزيه» في سياق الدين الإسلامي مقاربة لمفهوم التجاوز، إذ يُنظر إلى الله بوصفه متعاليًا بصفاته وأفعاله لكل المخلوقات. والتنزيه في اللغة هو التبعيد والترفّع.
ويُعنى عمومًا بالمبدأ المتجاوز في سياق الميتافيزيقا، المبدأ الأعلى للواقعيات الجزئية.
وقد برزت جذور هذا المفهوم منذ الفلسفة اليونانية عند أفلاطون، حيث تُفهم المثل بوصفها حقائق متعالية عن العالم الحسي؛ فـ«الخير في ذاته» و«الجمال في ذاته» لا يوجدان داخل المحسوسات، بل يتجاوزانها بوصفهما نماذج كلية غير قابلة للاختزال إلى التجربة المباشرة (مُثُل)، بينما لا يكون العالم الحسي إلا مشاركة ناقصة في هذه الحقائق المتعالية.
وقد أخذ هذا المفهوم بعدًا أكثر دقة وتعقيدًا مع الفلسفة الحديثة، حيث لم يعد التعالي (التجاوز) محصورًا في كيان إلهي مباعد، بل صار يُفهم أحيانًا كبنية داخلية في الوعي أو في التجربة. عند رينيه ديكارت، يظهر التجاوز في الفارق الجوهري بين الفكر المحدود وبين الله بوصفه جوهرًا لامتناهيًا، إذ لا يمكن للعقل المتناهي أن يستنبط فكرة اللانهاية من ذاته، مما يجعل فكرة الكمال الإلهي دالة على مصدر متجاوز عن الفكر الإنساني.
أما عند إيمانويل كانط، فقد اكتسب المفهوم تحولًا جذريًا، إذ ميّز بين «المتجاوز» و«المجاوز». المتجاوز عنده هو ما يتعدّى حدود التجربة الممكنة، وبالتالي لا يمكن معرفته موضوعيًا، مثل النفس في ذاتها أو العالم بوصفه كلية أو الله. في المقابل، يشير «المجاوز» إلى الشروط القبلية التي تجعل التجربة ممكنة أصلًا، كزمانية الإدراك ومكانيته ومقولات الفاهمة. وبهذا المعنى لم يعد المجاوز كيانًا خارج العالم، بل أصبح حدًّا تنظيميًا للعقل نفسه.
وقد أعاد إدموند هوسرل صياغة العلاقة بين الوعي والعالم ضمن إطار الظاهراتية، حيث صار كل موضوع معطى للوعي متجاوزًا له من جهة، لأن الشيء لا يُعطى دفعة واحدة في اكتماله، بل عبر سلاسل من المظاهر المتعاقبة. ومن ثم فإن التجاوز هنا ليس انفصالًا مطلقًا، بل عدم قابلية الاختزال الكلي للشيء إلى تجربة واحدة. وبذلك يغدو العالم متجاوزًا دائمًا لقصديّة الوعي، رغم حضوره داخلها.
أما عند مارتن هايدغر، فقد ارتبط التجاوز ببنية الوجود الإنساني بوصفه انفتاحًا على الوجود. فالإنسان، بوصفه «كينونة-في-العالم»، لا ينغلق على معطياته الآنية، بل ينخرط دائمًا في إمكاناته، ويُعيد تأويل وجوده انطلاقًا من مشروع مستقبلي. وهكذا يغدو التجاوز بنية أنطولوجية تُعرّف الكينونة البشرية ذاتها، لا مجرد حركة معرفية.
وفي السياق الوجودي عند جان بول سارتر، يُفهم التجاوز بوصفه خاصية أساسية للوعي الذي لا يتطابق مع ذاته أبدًا. فالإنسان ليس ما هو عليه فقط، بل ما يتجاوز نحوه باستمرار، إذ ينفتح على إمكانات لا نهائية من التشكّل. ومن ثم فإن الحرية عنده ليست معطى إضافيًا، بل هي عين هذا البعد المتجاوز الذي يجعل الوجود الإنساني دائم الانفلات من التعيّن النهائي.
وبهذا يتضح أن التعالي لم يعد يدل فقط على «ما وراء العالم»، بل أصبح في كثير من الفلسفات الحديثة يشير إلى علاقة بنيوية بين الذات والعالم، أو إلى عدم اكتمال المعطى، أو إلى انفتاح الكينونة على إمكان يتعدى حضورها الفعلي، بحيث يغدو التعالي تجاوزًا، وسمة في طبيعة التجربة ذاتها لا مجرد إحالة إلى خارجها.
