التجريبية المنطقية

يُمثّل «التجريبية المنطقية»، التي ازدهرت في أحضان «حلقة فيينا» في العقود الأولى من القرن العشرين، أحد أكثر المشاريع الفلسفية طموحًا في تاريخ فلسفة العلم الحديثة. وقد نهض هذا التيار على إرادة منهجية صارمة ترمي إلى تنقية الخطاب العلمي من كل عنصر ميتافيزيقي، وحصر المعرفة المشروعة في ما يمكن ربطه بالتجربة الحسية وصياغته ضمن بنية منطقية دقيقة. ولم يكن مقصد روّاده، مثلموريتز شليك، ورودولف كرناب، وأوتو نويراث، مجرد الدفاع عن أولوية التجربة، بل إقامة تصور شامل للعلم بوصفه نسقًا من القضايا المرتبطة منطقيًا بالمعطيات القابلة للملاحظة.

ينطلق هذا التصور من موقف فلسفي يُوصَف عادةً بـ«الأداتية/الذرائعية» أو «اللاواقعية العلمية». فالنظرية العلمية، بحسب هذا المنظور، لا تُفهَم على أنها مرآة تكشف البنية الباطنة للعالم، ولا بوصفها وصفًا حرفيًا لما يوجد في الواقع في ذاته؛ وإنما تُعد أداة مفهومية ولغوية تمكّن الباحث من تنظيم الظواهر المشاهدة، وربطها ضمن نسق موحّد، واستنباط تنبؤات ناجحة بشأنها. ومن ثمّ، فإن نجاح نظرية ما لا يُعد دليلًا على صدقها الأنطولوجي، بل شاهدًا على فعاليتها الإجرائية وقدرتها على الاقتصاد في الوصف والتفسير.

ويتضح هذا الموقف بجلاء في تعاملهم مع ما يُسمّى «المصطلحات النظرية»؛ أي الألفاظ التي تشير إلى كيانات لا تقع تحت الإدراك المباشر، مثل الإلكترون، والذرّة، والمجال المغناطيسي. فلم يكن أعضاء حلقة فيينا ينكرون جدوى هذه المفاهيم في الممارسة العلمية، غير أنهم كانوا يرفضون اعتبارها أسماءً لكيانات ثبت وجودها استقلالًا عن نسق النظرية. إنها، في نظرهم، مجرد صيغ اصطلاحية أو اختزالات لغوية تشير إلى انتظامات رصدية معقدة. فحين يتحدث الفيزيائي عن «إلكترون»، لا يعني ذلك – في هذا الإطار – أنه قبض على حقيقة أنطولوجية نهائية، بل إنه يستخدم رمزًا نظريًا ناجعًا لتلخيص طائفة من الظواهر والتنبؤ بنتائج التجارب.

ويتصل بهذا الموقف رفضهم لما يُسمّى «الموضوعية الأنطولوجية» أو «الموضوعية الخارجية». فالتجريبيون المنطقيون لا يسلّمون بأن العلم قادر على بلوغ الواقع كما هو قائم في ذاته، مستقلًا عن شروط الإدراك والتوصيف اللغوي. ذلك أن القول بإمكان النفاذ إلى «الشيء في ذاته» يتجاوز، في نظرهم، الحدود المشروعة للمعرفة الإنسانية. لذا أعادوا تعريف الموضوعية تعريفًا أكثر تواضعًا: تكون المعرفة موضوعية حين تصوغ قضايا قابلة للفحص العمومي، ويمكن للباحثين التحقق منها بالرجوع إلى الوقائع المرصودة، لا حين تزعم امتلاك صورة نهائية عن ماهية الموجودات.

وعلى هذا الأساس، فإن الموضوعية التي يدافع عنها هذا التيار هي موضوعية منهجية وظاهراتية. فهي منهجية لأنها تقوم على قواعد مشتركة للبرهنة، والقياس، والاختبار، وتستبعد الأهواء الذاتية والتأويلات غير المنضبطة. وهي ظاهراتية لأنها تتعلق بما يظهر في الخبرة وما يمكن رصده وقياسه، لا بما قد يُفترض وراء الظواهر من ماهيات أو علل خفية. ومن ثمّ، لا يكون صدق النظرية متوقفًا على مطابقتها لواقع ميتافيزيقي مفترض، بل على تماسكها الداخلي، وقدرتها على تفسير الوقائع المشاهدة، ونجاحها في التنبؤ.

أما من الناحية المنهجية، فقد آمنت التجريبية المنطقية بأن المعرفة العلمية تنبثق من الوقائع الجزئية الملاحظة، ثم تُعمَّم استقرائيًا لصوغ قوانين ونظريات أشمل. وكانت هذه الرؤية مقترنة بما عُرف بـ«مبدأ التحقق»، الذي يقضي بأن معنى القضية يتحدد بالطريقة التي يمكن بها اختبارها تجريبيًا. وقد اعتقد بعض ممثلي هذا الاتجاه في بداياته أن تراكم التأييدات التجريبية يمنح النظرية درجة عالية من اليقين، وإن كانت التطورات اللاحقة في فلسفة العلم – ولا سيما مع كارل بوبر – قد أبرزت حدود هذا التصور، وأظهرت أن النظريات لا تُثبت نهائيًا، بل تظل عرضة للمراجعة والدحض.

وخلاصة القول إن التجريبية المنطقية تتبنى تصورًا للعلم يتسم بقدر كبير من التحفظ الأنطولوجي والطموح المنهجي في آن واحد. فهي ترى أن العلم لا يكشف «حقيقة الأشياء» بمعناها الميتافيزيقي، بل يبني أنساقًا رمزية دقيقة لتنظيم الخبرة الحسية والتنبؤ بمسار الظواهر. ومن ثمّ، فإنها تدافع عن لاواقعية علمية صارمة، وتقرّ بموضوعية العلم في حدود التوافق بين النظرية والوقائع القابلة للرصد، مع الإعراض عن أي ادعاء بأن المعرفة العلمية تبلغ جوهر الوجود أو بنيته النهائية. وفي هذا المعنى، يغدو العلم، عند التجريبيين المناطقة، مشروعًا عقلانيًا لتنسيق الظواهر لا مرآةً شفافةً تكشف ماهية العالم في ذاته.

المسرد